::+:الرأسمالية:+:: 

  التعريف

الرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها متوسعاً في مفهوم الحرية ولقد ذاق العالم بسببه ويلات كثيرة ، وما تزال الرأسمالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض .. التأسيس وأبرز الشخصيات

كانت أوروبا محكومة بنظام الإمبراطورية الرومانية التي ورثها النظام الإقطاعي ( Feudl SYSIEM ) .

لقد ظهرت ما بين القرن الرابع عشر والسادس عشر الطبقة البرجوازية ( Bourgeois ) تالية لمرحلة الإقطاع ومتداخلة معها .

تلت مرحلة البرجوازية مرحلة الرأسمالية وذلك منذ بداية القرن السادس عشر ولكن بشكل متدرج .

فلقد ظهرت أولاً الدعوة إلى الحرية ( Liberation ) وكذلك الدعوة إلى إنشاء القوميات اللاتينية والدعوة إلى تقليص ظل البابا الروحي .

ظهر المذهب الحر ( الطبيعي ) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في فرنسا حيث ظهر الطبيعيين ( Les Phisiocrates ) ومن أشهر دعاة هذا المذهب :

1- فرانسوا كيزني (Francois Quensnay ( 1694-1778 : ولد في فرساي بفرنسا ، وعمل طبيباً في بلاط الخامس عشر ، لكنه اهتم بالاقتصاد وأسس المذهب الطبيعي ، فلقد نشر في سنة ( 1756 م ) مقالين عن الفلاحين وعن الجنوب ، ثم أصدر في سنة ( 1758 م) الجدول الاقتصادي Le Tableau Economaique وشبه في تداول المال داخل الجماعة بالدورة الدموية ، وقد قال ميرابو حينذاك عن هذا الجدول بأنه : ( يوجد في العالم ثلاثة اختراعات عظيمة هي الكتابة والنقود والجدول الاقتصادي ).

2- جون لوك John Locke : صاغ النظرية الطبيعية الحرة حيث يقول عن الملكية الفردية : ( وهذه الملكية حق من حقوق الطبيعة وغريزة تنشأ مع نشأة الإنسان ، فليس لأحد أن يعارض هذه الغريزة ).

3- ومن ممثلي هذا الاتجاه أيضاً تورجو Turgot وميرابو Mirabou وجان باتست ساي J.B.SAY وباستيا ..

ظهر بعد ذلك المذهب الكلاسيكي الذي تبلورت أفكاره على أيدي عدد من المفكرين الذين من أبرزهم :

1- آدم سميث A.Smith : وهو أشهر الكلاسيكيين على الإطلاق ، ولد في مدينة كيركالدي في اسكوتلنده ودرس الفلسفة وكان أستاذاً لعلم المنطق في جامعة جلاسجو سافر إلى فرنسا سنة ( 1776 م ) أصدر كتابه ( بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم ) هذا الكتاب الذي قال عنه أحد النقاد وهو ( أدمون برك ) : " إنه أعظم مؤلف خطه قلم إنسان " .

2- داييفيد ريكاردو David Ricardo : اقتصادي إنجليزي كلاسيكي متشائم صاحب النظرية المشهورة عن السكان إذ يعتبر عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية بينما يزيد الإنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية ..

3- جون استيوارت مل J.Stuart Mill : يعد حلقة اتصال بين المذهب الفردي والمذهب الاشتراكي فقد نشر سنة ( 1836 م) كتابه ( مبادئ الاقتصاد السياسي ) .

4- اللورد كينز Keyns : صاحب النظرية التي عرفت باسمه والتي تدور حول البطالة والتشغيل والتي تجاوزت غيرها من النظريات إذ يرجع إليه الفضل في تحقيق التشغيل الكامل للقوة العاملة في المجتمع الرأسمالي ، وقد ذكر نظريته هذه ضمن كتابه ( النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود ) الذي نشره سنة 1936 م .

5- دافيد هيوم ( 1711-1776م) : صاحب نظرية النفعية Pragmatism التي وضعها بشكل متكامل والتي تقول بأن ( الملكية الخاصة تقليد اتبعه الناس وينبغي عليهم أن يتبعوه لأن في ذلك منفعتهم ) ..

6- أدمون برك : من المدافعين عن الملكية الخاصة على أساس النظرية التاريخية أو نظرية تقادم الملكية ..

الأفكار والمعتقدات

1- أسس الرأسمالية :

البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب إلا ما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات مثلاً .

تقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها وتوفير القوانين اللازمة لنموها واطرادها وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلا الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن .

المنافسة والمزاحمة في الأسواق ( Perfect Competition ) .

نظام حرية الأسعار ( Price System ) وإطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب ، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها .

2- أشكال رأسمالية :

الرأسمالية التجارية التي ظهرت في القرن السادس عشر إثر إزالة الإقطاع ، إذ أخذ التاجر يقوم بنقل المنتجات من مكان إلى آخر حسب طلب السوق فكان بذلك وسيطاً بين المنتج والمستهلك .

الرأسمالية الصناعية التي على ظهورها تقدم الصناعة وظهور الآلة البخارية التي اخترعها جيمس وات سنة 1770م والمغزل الآلي سنة 1785 م مما أدى إلى قيام الثورة الصناعية في إنجلترا أولاً وفي أوروبا عامة إبان القرن التاسع عشر . وهذه الرأسمالية الصناعية تقوم على أساس الفصل بين رأس المال وبين العامل ، أي بين الإنسان وبين الآلة .

نظام الكارتل ( Kartel System ) الذي يعني اتفاق الشركات الكبيرة على اقتسام السوق العالمية فيما بينهما مما يعطيها فرصة احتكار هذه الأسواق وابتزاز الأهالي بحرية تامة . وقد انتشر هذا المذهب في ألمانيا واليابان .

نظام الترست ( Trust System ) الذي يعني تكوين شركة من الشركات المتنافسة لتكون أقدر في الإنتاج وأقوى في التحكم والسيطرة على السوق ..

3- إن المذهب الطبيعي الذي هو أساس الرأسمالية إنما يدعو إلى أمور منها :

الحياة الاقتصادية تخضع لنظام طبيعي ليس من وضع أحد حيث يحقق بهذه الصفة نمواً للحياة وتقدماً تلقائياً لها .

إنه يدعو إلى عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وأن تقصر مهمتها على حماية الأفراد والأموال والمحافظة على الأمن والدفاع عن البلاد .

الحرية الاقتصادية لكل فرد حيث إن له الحق في ممارسة واختيار العمل الذي يلائمه وقد عبروا عن ذلك بالمبدأ المشهور : (( دعه يعمل دعه يمر )) (( Laisser Fair , Laisser Passer )) .

إن إيمان الرأسمالية بالحرية الواسعة أدى إلى فوضى في الاعتقاد وفي السلوك مما تولدت عنه هذه الصراعات الغربية التي تجتاح العالم معبرة عن الضياع الفكري والخواء الروحي .

إن انخفاض الأجور وشدة الطلب على الأيدي العاملة دفع الأسرة لأن يعمل كل أفرادها مما أدى إلى تفكك عرى الأسرة وانحلال الروابط الاجتماعية فيما بينهما.

4- من أهم آراء آدم سميث أن نمو الحياة الاقتصادية وتقدمها وازدهارها إنما يتوقف على الحرية الاقتصادية وتتمثل هذه الحرية في نظره بما يلي :

الحرية الفردية التي تتيح للإنسان حرية اختيار عمله الذي يتفق مع استعداداته ويحقق له الدخل المطلوب .

الحرية التجارية التي يتم فيها الإنتاج والتداول في جو من المنافسة الحرة .

يرى الرأسماليون بأن الحرية ( Liberation ) ضرورية للفرد من أجل تحقيق التوافق بينه وبين المجتمع ، ولأنها قوة دافعة للإنتاج ، لكونها حقاً إنسانياً يعبر عن الكرامة البشرية .

عيوب الرأسمالية

الرأسمالية نظام وضعي يقف على قدم المساواة مع الشيوعية وغيرها من النظم التي وضعها البشر بعيداً عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده ولخلقه من بني الإنسان .

الأنانية : حيث يتحكم فرد من أفراد قلائل بالأسواق تحقيقاً لمصالحهم الذاتية دون تقدير لحاجة المجتمع أو احترام للمصلحة العامة .

الاحتكار : إذ يقوم الشخص الرأسمالي باحتكار البضائع وتخزينها حتى إذا ما فقدت من الأسواق نزل بها ليبيعها بسعر مضاعف يبتز فيه المستهلكين الضعفاء .

لقد تطرفت الرأسمالية في تضخيم شأن الملكية الفردية كما تطرفت الشيوعية في إلغاء هذه الملكية .

المزاحمة والمنافسة : إن بنية الرأسمالية تجعل الحياة ميدان سباق مسعور إذ يتنافس الجميع في سبيل إحراز الغلبة ، وتتحول الحياة عندها إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف ، وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى إفلاس المصانع والشركات بين عشية وضحاها .

ابتزاز الأيدي العاملة : ذلك أن الرأسمالية تجعل الأيدي العاملة سلعة خاضعة لمفهومي العرض والطلب مما يجعل العامل معرضاً في كل لحظة لأن يستبدل به غيره ممن يأخذ أجراً أقل أو يؤدي عملاً أكثر أو خدمة أفضل .

البطالة : وهي ظاهرة مألوفة في المجتمع الرأسمالي ، وتكون شديدة البروز إذا كان الإنتاج أكثر من الاستهلاك مما يدفع بصاحب العمل إلى الاستغناء عن الزيادة في هذه الأيدي التي تثقل كاهله .

الحياة المحمومة : وذلك نتيجة للصراع القائم بين طبقتين أحداهما مبتزة يهمها جمع المال من كل السبل وأخرى محرومة تبحث عن المقومات الأساسية لحياتها ، دون أن يشملها شئ من التراحم والتعاطف المتبادل .

الاستعمار : ذلك أن الرأسمالية بدافع البحث عن المواد الأولية ، وبدافع البحث عن أسواق جديدة لتسويق المنتجات تدخل في غمار استعمار الشعوب والأمم استعماراً اقتصادياً أولاً وفكرياً وسياسياً وثقافياً عامة ، وذلك فضلاً عن استرقاق الشعوب وتسخير الأيدي العاملة فيها لمصلحتها .

الحروب والتدمير : فلقد شهدت البشرية ألواناً عجيبة من القتل والتدمير وذلك نتيجة للاستعمار الذي أنزل بأمم الأرض أفظع الأهوال وأشرسها .

الرأسماليون يعتمدون على مبدأ الديمقراطية في السياسة والحكم ، وكثيراً ما تنجح الديمقراطية مع الأهواء بعيدة عن الحق والعدل والصواب .

إن النظام الرأسمالي يقوم على أساس ربوي ، ومعروف بأن الربا هو جوهر العلل التي يعاني منها العالم أجمع .

أن الرأسمالية تنظر إلى الإنسان على أنه كائن مادي وتتعامل معه بعيداً عن ميوله الروحية والأخلاقية داعية إلى الفصل بين الاقتصاد وبين الأخلاق .

تعمد الرأسمالية إلى حرق البضائع الفائضة ، أو تقذفها في البحر خوفاً من أن تتدنى الأسعار لكثرة العرض ، وبينما هي تقدم على هذا الأمر تكون كثير من الشعوب في حالة شكوى من المجاعات التي تجتاحها .

يقوم الرأسماليون بإنتاج المواد الكمالية ويقيمون الدعايات الهائلة لها دونما التفات إلى الحاجات الأساسية للمجتمع ذلك أنهم يفتشون عن الربح والمكسب أولاً وآخراً .

يقوم الرأسمالي في أحيان كثيرة بطرد العامل عندما يكبر دون حفظ لشيخوخته إلا أن أمراً كهذا أخذت تخف حدته في الآونة الأخيرة بسبب الإصلاحات التي طرأت على الرأسمالية ..

الإصلاحات التي طرأت على الرأسمالية

كانت إنجلترا حتى سنة 1875 م من أكبر البلاد الرأسمالية تقدماً . ولكن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت كل من الولايات المتحدة وألمانيا ، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت اليابان .

في عام 1932 م باشرت الدولة تدخلها بشكل أكبر في إنجلترا ، وفي الولايات المتحدة زاد تدخل الدولة ابتداء من سنة 1933 م ، وفي ألمانيا بدءاً من العهد الهتلري وذلك في سبيل المحافظة على استمرارية النظام الرأسمالي .

لقد تمثل تدخل الدولة في المواصلات والتعليم ورعاية حقوق المواطنين وسن القوانين ذات الصبغة الاجتماعية ، كالضمان الاجتماعي والشيخوخة والبطالة والعجز والرعاية وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة .

لقد توجهت الرأسمالية هذا التوجه الإصلاحي الجزئي بسبب ظهور العمال كقوة انتخابية في البلدان الديمقراطية وبسبب لجان حقوق الإنسان ، ولوقف المد الشيوعي الذي يتظاهر بنصرة العمال ويدعي الدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم .

الجذور الفكرية والعقائدية

تقوم الرأسمالية في جذورها على شئ من فلسفة الرومان القديمة ، يظهر ذلك في رغيتها في امتلاك القوة وبسط النفوذ والسيطرة .

لقد تطورت من الإقطاع إلى البرجوازية إلى الرأسمالية وخلال ذلك اكتسبت أفكاراً ومبادئ مختلفة تصب في تيار التوجه نحو تعزيز الملكية الفردية والدعوة إلى الحرية .

قامت في الأصل على أفكار المذهب الحر والمذهب الكلاسيكي .

إن الرأسمالية تناهض الدين متمردة على سلطان الكنيسة أولاً وعلى كل قانون أخلاقي أخيراً

لا يهم الرأسمالية من القوانين الأخلاقية إلا ما يحقق له المنفعة ولا سيما الاقتصادية منها على وجه الخصوص .

كان للأفكار والآراء التي تولدت نتيجة للثورة الصناعية في أوروبا دور في تحديد ملامح الرأسمالية .

تدعو الرأسمالية إلى الحرية وتتبنى الدفاع عنها ، لكن الحرية السياسية تحولت إلى حرية أخلاقية واجتماعية ، ثم تحولت هذه بدورها إلى إباحية .

الانتشار ومواقع النفوذ

ازدهرت الرأسمالية في إنجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وفي معظم العالم الغربي .

كثير من دول العالم تعيش في جو من التبعية إما للنظام الشيوعي وأما للنظام الرأسمالي ، وتتفاوت هذه التبعية بين التدخل المباشر وبين الاعتماد عليهما في الشئون السياسية والمواقف الدولية .

وقف النظام الرأسمالي مثله كمثل النظام الشيوعي إلى جانب إسرائيل دعماً وتأييداً بشكل مباشر أو غير مباشر .

مراجع للتوسع

1- أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة

تأليف أبي الأعلى المودودي - ترجمة محمد عاصم حداد - ط3- 1391هـ /1971 - مطبعة الأمان - لبنان .

2- المذاهب الاقتصادية الكبرى

تأليف جورج سول - ترجمة راشد البراوي .

3- النظم الاقتصادية في العالم

د.أحمد شلبي - ط1 - النهضة المصرية - 1976م .

4- D.Villey : A La Recherche d,une Doctrine Economiques.

Ed. Genin, Paris, 1967 .

5- J.Marchal

Cours d'economie politique paris 1956

6- J.M.Kenes

General Theory of Employment interest and Money ( Harcourt , Brace And Company 1933

 
 

::تصميم شبكة النـّــوض::